 |
 |
| |
|
|
سيرة عبقري جانبه الإنصاف |
| سيرة حياتي* |
| |
|
رمضان أبوغالية |
| |
|
2010/01/28 |
 |
| |
   |
| |
| |
من سيكتب سيرته إن لم يفعل عبد الرحمن بدوي ذلك!.حياة حافلة بالعمل والجهد والسفر، وعمر مديد تجاوز الثمانين عاماً. بلغت كتبه مائة وعشرين كتاباً *1؛ كتابه الأول كان عن نيتشه، كتبه ولم يتجاوز الثانية والعشرين سنة. درس وتفوق في جميع مراحل دراسته، تحصل على الماجستير، عن أطروحته (الموت عند الفلاسفة) والدكتوراة في (الزمان الوجودي) قبل بلوغه الثلاثين. أتقن عدة لغات، فقد أجاد الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية وترجم عنها نفائس آدابها وفلسفاتها، وكذلك اللاتينية واليونانية القديمتين. وكان متمكناً متضلعاً في االلغة العربية وآدابها، وتميز في مجال الفلسفة لاسيما الفلسفة الوجودية*2. إنه رجل الكتب والبحوث واللغات بجدارة. قرر أن تكون حياته كلها للبحث العلمي وتجرد لذلك بامتياز، فلا زوجة تأسره ولاولد يشغله، إنما اكتفى بعلاقات عابرة تعكس فلسفته في العلاقة بين الرجل والمرأة، وهي فلسفة عجيبة ليس هنا موضع بسطها.
هذه السيرة التي تجاوزت التسعمائة صفحة، والتي نشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عام 2000 تعكس الخطط الواضحة والعمل الدؤب والخطوات المتتابعة للإنجاز العلمي الكبير.
هذا الفيلسوف، كما وصف هو نفسه لأحد المارة ؛ الذي رآه يتمايل من الإعياء فأسرع لإسعافه وسأله عن هويته، فأجابه بأنه فيلسوف مصري، ليغادر باريس *3، ويعود إلى مصرمريضا ويتوفاه الله هناك بعد أربعة أشهر، عام 2002.
وصاحبنا محب للسفر والترحال، لكن شغفه العلمي كان يرافقه في كل مكان، وكانت المكتبات والمتاحف والمعارض الفنية هي أماكنه المفضله التي يلقي فيها عصا ترحاله و يمضي أغلب وقته ؛ مستغرقاً ومتأملاً وباحثاً ومحققاً، ولعل الكتاب كان هو الصديق الوحيد الذي لم يتخل عنه يوماً أو يتبرم به، ويذكر عنه من رآه عن قرب في بنغازي، أنه كان : " من البيت إلى المكتب، ومن المكتب إلى المكتبة، ومن المكتبة إلى البيت، صامتاً لايطلق السلام ولا يرد السلام، تحت إبطه كتاب وفي يمناه كتاب ومن أمامه كتاب ومن ورائه كتاب. كان عبدالرحمن بدوي مجرد كتاب يمشي أينما كان !"*4
لكن هذا الرجل وبهذه العقلية الجبارة كان ذا مزاج حاد، ينقلب على كل من يخالفة ويصفه بأشد وأقذع الأوصاف، بل إن شعوباً كاملة قد يطالها التعسف في ردات فعله، فتنقلب بلاداً لاقيمة لها، وهذا ما نعث به بلادنا التي استضافته ست سنوات، أستاذاً في كلية الآداب والتربية، قسم الفلسفة وعلم الإجتماع، ورئيساً لذلك القسم. فالرجل ومن خلال هذه الذكريات، كان وكما يقول تلميذه وزميله الدكتور علي فهمي خشيم: " شاهداً مشحوناً بالغضب، يتميز غيظًاً متبرماً بكل شيء، كافراً – تقريباً- بكل شيء، حاداً في نقده وانتقاده، شديد الظلم لمن عاصر من شخصيات، شنيع الضيق بما رأى من حوادث وأحداث"* 5.
|
| |
ولكن للإنصاف، فإن الرجل ظلم، و"ما من مفكر عربي في عصرنا الحديث، واجه من الظلم مثل ما واجه، وقوبل بالنكران بمثل ما قوبل به هذا العقل المتأجج المتقد لهباًً قل نظيره وإذا لم يتسامح في (مذكراته) مع أحد، فإن أحداً لم يتسامح معه من قبل".*6
فالرجل اعتقل لمدة سبعة عشر يوماً، ومعها عدد من الساعات والدقائق أحصاها في ذكرياته، ثم أطلق سراحه وأنهيت خدماته وغادر البلاد، على خلفية تقارير غير واضحة، يرجح هو أنها لفقت من قبل زملائه العرب، ولكن طبعاً حاداً مثل طبعه لا يستغرب معه أن يتعرض للكيد من أقرب الناس إاليه.
في الصفحات التي قاربت السبعين صفحة، خصصها عن ليبيا، تعرض للأحوال السياسية والإقتصادية وقتها، وتطرق للتركيبة السكانية والقبائل واللهجات وتحدث عن اليهود في ليبيا بشيء من التفصيل وعن اتصالهم بالحركة الصهيونية وما تعرضوا له وخلص إلى ان ذلك كان جزاءً وفاقاً، وأسهب في عرض تاريخي للمذهب الإباضي واعلامه، وتحدث عن الطرق الصوفية واشهر أعلامها وعن دراساته لتاريخ الفلسفة في ليبيا وإسهاماته، ووصم الحركة الفكرية والأدبية الحديثة بأنها هزيلة، واستخف ببعض أعلام تلك المرحلة وإنتاجهم الأدبي*7، وختم بأن ليبيا ومنذ الفتح الإسلامي وحتى العصر الحديث لم تشهد نشاطاً علمياً يذكر، بل هي بلد عقيم، حسب زعمه، ولا يعرف هو سبباً منطقيا لذلك.
والرجل مع ردات فعله العنيفة، إلا أنه قدم خدمات لا ينساها له الليبيون، فهو من كتب عن الفلسفة القورينائية في ليبيا ثلاثة مؤلفات، لا شك أنها ستبقى علامة فارقة ومميزة في المكتبة الليبية، وهي كما يقول خشيم : " لم يجرؤ أحد قبله على الإتيان بمثلها، أعانته في ذلك معارفه العميقة واطلاعه الواسع وقدرته العجيبة على المقارنة والتحليل وصبره المدهش على متابعة الجزئيات والتفاصيل"8. كما أنه كان صاحب القدح المعلى، كما يذكر هو، في إثراء مكتبة الجامعة التي لم تكن تتجاوز الكتب فيها بضعة آلاف، فبلغت بجهوده وجهود مديرها عبدالمولى دغمان حوالى ثلاثين ألفاً من "المراجع الأساسية ودوائر المعارف خصوصاً في الفلسفة والأدب اليوناني واللاتيني والآداب الاؤربية الحديثة وما امكن الحصول عليه من دراسات المستشرقين في الموضوعات العربية والإسلامية"*9، وساهم بجهد كبير في إعادة إصدار مجلة كلية الآداب، التي توقفت قبل عشر سنوات، فصدر منها عددان جديدان عام 68 و69، يقع كل واحد منها في 500 صفحة، واستكتب لها كتاب أوربين كبار، منهم ارنولد توينبي، وفرنسيسكو جبرييلي، المستشرق الإيطالي، وكلارك، أستاذ الجغرافيا في جامعةDurham البريطانية. وأسهم هو ببحثين ؛الأول عن الفلسفة القورينائية والثاني عن " ليبيا في مؤلفات ارسطو".
إن اصحاب السير عندما يكتبون عن أنفسهم، فإنهم بالطبع يلقون بتصوراتهم ورؤاهم وفلسفاتهم بين أيدينا دون اضطرارنا إلى الإقتناع بها أو تبنيها أو الدفاع عنها، ولكن بالطبع هذه السير لا تخلو من الدروس والعبر، ولعل الدرس الكبير الذي خرجت به من هذه السيرة التي لم تكتمل فصولها أن علو الهمة هو الطريق إلى القمة ومن سار على الدرب وصل، ودروس أخرى لا تقل أهميةً ؛ فالإنسان كائن عجيب تأسره الكلمة الطيبة والموقف الداعم ؛ كما كان موقف صاحبنا مع الأديب طه حسين حين قال له عند مناقشته لأطروحة الدكتوراة " الزمان الوجودي " : " أشاهد فيلسوفاً مصرياً للمرة الأولى"، فسر بها بدوي وما تحدث عنه إلا بخير، والرجل صريح لا يأبه بأحد، أخرج كل مكنونات نفسه وأعرب بوضوح عن ضيقه وضجره بكل ما حوله، وفضل أن يعيش في منفاه الإختياري، باريس، حتى أرغمه المرض للعودة إلى مصر التي أحبها، لكنها لم تبادله هذا الحب، أو هكذا تراءى له.
هذه القامات الكبيرة عندما تظلم ولا تنال حقها من التقدير، فإنها تعتزل المجتمع وتبني لنفسها مجتمعاً مثالياً خالياً من الإحتكاك والتفاعل والواقعية، مما يوفر لها رضاً داخلياً تسكن إليه. كذلك فإن المزاج الحاد مهلكة للمرء وأي مهلكة لاسيما عندما يكون صاحبه من أهل الفكر والقلم ؛ فهو غالبه لا محالة، وخاذله في كل حال وإزاء كل موقف، فيحيد به عن الموضوعية والإنصاف في أغلب الأحوال.
وأخيراً فإن الرجل قد أفضى إلى ما قدم* 10، فهل نتحلى بفضيلة الإعتذار عند الخطأ، فنعتذر لمن أخطأنا في حقه؛ في حق هذه القامة الكبيرة التي تشرفت الجامعة الليبية بان كان أستاذا ورئيس قسم في إحدى كلياتها، وهل نتسامى ونتسامح فنطوي صفحات صدرت أحكاماً لم تكن نتيجة بحث ودراسات علمية معمقة*11، بل هي ردات فعل واضحة لما لحق به في تلك الأيام، فهلا ابتدأنا صفحات جديدة لذكريات المستقبل وازعم أن تسمية إحدى المدرجات أو المؤسسات العلمية باسمه، هو تعبير طيب عن هذا الإعتذار والتسامح.
|
| |
 |
| |
 |
| |
 |
| |
 |
|
 |
|
الصحفي محمد الصريط ينجو من الموت بعد تعرضه لاعتداء |
|
محاكمات رجال العهد الملكي |
|
أحداث ومفارقات تأسيس وإنطلاق أول گلية للطب البشري في ليبيا |
|
ترقية وترضية وتنقية أجواء تسيطر على الدوري الليبي |
|
في استقبال رمضان |
| |