2008/11/18  
    
 رودلفو غراتسياني 6/10  
     
 سيرة وسلوك .. حياته ونهايته
Rodolfo Graziani: La biografia e condotta
 
 د. فرج نجم  
   
     
  * غراتسياني وشيخ الشهداء

وللتاريخ أن غراتسياني في حربه لعمر المختار ورجاله لم يكن محارباً نبيلاً، فقد استخدم كل ما في قاموسه العسكري من حيل وأكاذيب وخداع، فقد كذب حينما قال إن عمر المختار يطلب الاستسلام لنا،(1) وأن الشهيد الفضيل بوعمر كان أكثر المجاهدين رغبة في نيل العفو والسلم،(2) وعندما فشلت كل هذه المناورات التضليلية حاول دس السم للشيخ عمر المختار في محاولة لاغتياله، ولكن نجاه الله وسلم،(3) وتجده في كتابه "برقة المهدأة" يهاجم الشيخ عمر شخصياً ويصف جهاده محصوراً "في جباية الضرائب والزكاة"، وأن عمر المختار جاوب أحد موظفي غراتسياني بوقاحة بأنه "لا يهمه أكان الليبيون الخاضعون لسلطاتنا يتعذبون أو يموتون كلية، فالمهم أن تكون السنوسية في حفظ وأمان"، ويتطاول على الحركة السنوسية التي ناصبته العداء، فكتب محتجاً على "شغف السنوسيين بحب السلطة واستغلال الفقراء والمساكين، وتسخيرهم لخدمتهم تحت مسوح الإسلام .. والخوض في السياسة وترك تلك الطريقة المحمدية العظيمة التي سلكها السنوسيون الأوائل". (4) وإن عمر المختار والسنوسية عازمون على رفع معنويات المقاتلين في فزان حتى تتوحد جبهة الثوار. (5)



لقد سخر غراتسياني جل اهتمامه للقضاء على عمر المختار حين شرع في حملته الوحشية على برقة، حتى أنه أناط تهدئة برقة بتصفية عمر المختار ورجاله، وخاصة نفوذ وحكومة عمر المختار التي اسماها "حكومة الليل"، حيث كانت إيطاليا تحكم في النهار والمجاهدون في الليل،(6) ومن أجل ذلك قام بكل مستحيل ومشين، بدون وازع أخلاقي ولا رادع قانوني، حتى أنه عمد إلى إتلاف الثروة الحيوانية التي كانت عماد الحياة في برقة،(7) ودعم قواته بأعداد مجندة محشدة تفوق قوات عدد المجاهدين بعشرة أضعاف،(8) بل وصل الجنون بغراتسياني أن تمنى لو أن حظه يسعفه ليقبض على عمر المختار ويخنقه بيديه حتى الموت، كما كتب ذات المرة. (9)

المفارقة أن غراتسياني نقل لنا وصفاً دقيقاً، دون أن يدري، للفصل الأخير من ملحمة البطولة، التي كانت مسك الختام، لأسطورة جهاد واستشهاد عمر المختار، في حين كابر وتجاهل الإعلام الإيطالي بشتى وسائله الحدث الجلل،(10) في حين كان لأسره وإعدامه التأثيران البالغان على جلاديه وآلة الاستعمار الفاشية فيما نشر من تقارير ومعلومات سرية فيما بعد.

جاء في كتاب ديل بوكا قصة وقوع شيخ الشهداء عمر المختار في الآسر، وكيف كبا به حصانه، ومن ثم اقتيد إلى محاكمة صورية، وحكم عليه بالإعدام شنقاً، بدون أن يراعي غراتسياني ورهطه سن هذا الشيخ الذي كان في الثالثة والسبعين من عمره، ويشيد المؤلف بهذا البطل الليبي، وبشجاعته وبنبله وأن غراتسياني لم يتمكن منه إلا بعد أن سقط العديد من رجاله شهداء، وأصبح في قلة من المجاهدين الذين كانوا شبه عزل بسبب توقف الإمدادات التي كانت تصلهم من مصر وغيرها، بعد ذلك السور الشائك الرهيب والطويل جداً الذي أقامه غراتسياني على الحدود المصرية، وكذلك لنقص المواد التموينية عن المجاهدين التي كانت تصلهم من المواطنين الليبيين الذين وضعهم الجنرال السفاح في المعتقلات الجماعية كما أشرنا آنفاً. (11)



لقد كان غراتسياني في روما كئيباً، حزيناً، موتر الأعصاب في طريقه إلى باريس للاستجمام والراحة، وحضور افتتاح معارض المستعمرات تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في برقة، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه، والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع، وإذا بالقدر يلعب دوره، ويتلقى برقية مستعجلة من بنغازي مساء يوم 12 سبتمبر 1931م مفادها أن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان، فلم يصدق الخبر، ولم يسترح باله، فقرر إلغاء إجازته وطار إلى طرابلس 13 سبتمبر 1931م ليصل بنغازي في اليوم التالي، وطلب إحضار عمر المختار صبيحة يوم 15 سبتمبر 1931م، إلى مكتبه لكي يراه بأم عينه، قبل بدء المحكمة في اليوم نفسه، ودار حوار بين الشيخ عمر المختار وغراتسياني في مكتبه يطول شرحه، وأجاب الشيخ برباطة جأش، كما يذكر غراتسياني في كتابه "برقة المهدأة"، عن جميع الأسئلة التي منها :

غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية ؟
فأجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.
غراتسياني: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟
فأجاب الشيخ: لا شيء إلا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.
غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟
فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شيء .. فلا جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح ...

وانتهت تلك المقابلة الرهيبة التي سجل غراتسياني فيها مدى إعجابه وتقديره لعمر المختار في مذكراته، فقال: لقد خرج من مكتبي كما دخل منه وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير، ويستطرد ويقول: عندما وقف عمر المختار ليتهيأ للانصراف، كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف. أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية، والصحراوية، ولقبت بأسد الصحراء، ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان، ولم أستطع أن أنبس بحرف فانتهت المقابلة، وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء ... (12)

كتب الصحفي الإيطالي باولو باقانيني: .. إن إعدام عمر المختار كان بحضور الجنرال غراتسياني نفسه، الذي حرص على إعطاء إشارة البدء في تنفيذ الحكم إلى الجلاد الطويل القامة والضخم الجثة الزنجي (13) الذي كان يقف وراء عمر المختار فوق منصة المشنقة .. (14) وبعد تنفيذ حكم الإعدام، دفن الشيخ الشهيد، وجاء في كتاب ديل بوكا لم يشهد ليبي مسلم غسله أو تكفينه أو دفنه،(15) ويقول غراتسياني إن قبر عمر المختار موجود بين آلاف القبور العادية وسيظل مجهولاً إلى الأبد. (16)



ولم يقف صلف وطغيان غراتسياني عند هذا الحد بل حبس النقيب لونتانو الذي كان محامياً لعمر المختار لمدة 10 أيام لدفاعه المستميت والذي خرج به عن السيناريو الذي رسمه غراتسياني ورئيسه باديليو في محاكمة وإعدام عمر المختار. (17)


* رأي غراتسياني في بعض مجاهدي ليبيا

هذه بعض القطوف سطرها غراتسياني بقلمه، وعبر بها عن رأيه في تلك القيادات، فهو في الغالب لم يخف ازدرائه، ولم يوفر أقذع النعوت، وأبذئها في وصف رجالات ليبيا تعبيراً عن حنق ومرارة ألقمها أولئك الرجال له، ولآلته العسكرية الوحشية، فكتب عن:


* عمر المختار

.. فليس بالرجل الذكي الخارق للعادة، كما يقال عنه، ولكن بجرأته استطاع دائماً أن يفلت من الحصار ... وعمر المختار رجل بدوي مثل الآخرين ليس مثقفاً، وليس له أي فكرة في أن يتطور .. بل متزمت فوق اللزوم،(18) ثم يعود وينكث ما كتبه بأن (عمر المختار) ليس بالرجل الغبي أو الجاهل كما قال عنه العقيد نانسي، فبفكره الثاقب وعقله الراجح رأى أن استمرار التعاون مع الليبيين يعرضهم إلى الأخطار. (19)



* أحمد الشريف

.. كان يمشي على رجليه، ويأكل مع عامة الثوار، ويصلي معهم، ويشاورهم في كل الأمور الدينية والدنيوية .. شجاع مؤمن بقضية بلاده، لا تأخذه في الحق لومة لائم، فهو دائماً يعمل لصالح الوطن العربي الكبير، حتى نصبه سلطان بني عثمان خليفة المسلمين نائباً له في الشمال الأفريقي، أما ابن عمه إدريس ومن معه فقد كانوا يختلفون عنه كثيرا .. (20)



* إدريس السنوسي

.. السيد إدريس موجود في قلعته في القاهرة، متمتعاً بكل الراحة بعيداً عن ميدان القتال والشمس المحرقة في الصحراء، بعيداً عن الجبل الأخضر، وما تراق فيه من دماء، بعيداً عن الكفرة، بلد أجداده، وما تعانيه من بؤس وظلم وظلام،(21) وكل هذه الأمور تجعله يتعالى ويرى نفسه عظيماً، بينما لم يكن يحلم في يوم من الأيام أن يصل إلى هذه المكانة المرموقة، فقد أنعمت عليه إيطاليا بلقب أمير، وجعلت له دستوراً، ومجالس نيابية، ورغم هذه الامتيازات .. فقد نقض كل التعهدات والاتفاقات التي أبرمتها معه الحكومة الإيطالية. (22)



* صالح لطيوش

.. إن قوات الثوار تحت قيادة رجال مهمين من أمثال صالح لطيوش .. الذين قابلوا قواتنا بكل عددها وعُددها .. كانوا أشداء، أقوياء، صامدين صابرين، لا يتقهقرون أبداً حتى ولو أدى ذلك لفنائهم جميعاً، مؤمنين بأنهم أصحاب حق وشجاعة .. (23) فهو (صالح لطيوش) مكابر، وشديد المراس ..،(24) عقليته لا تلين وغطرسته بوصفه زعيماً متعصباً متعجرفاً، إن طبيعة هذا الزعيم الذي كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسنوسية، والذي كان رجل طموحاً دعيا. (25)



* رمضان السويحلي

.. لقد ارتكب الشتيوي (رمضان السويحلي) أعمال القسوة والتعذيب التي لا مثيل لها ضد امرأة كانت تميل إلى الإيطاليين، لأنه (السويحلي) كان قد شنق زوجها سنة 1915م، كذلك أمر بضرب بحار عربي كان يتقاضى منا راتباً. كان أكبر خصوم الإيطاليين، وأعظمهم تجبراً، والذي لم يدع وسيلة منذ سنة 1912م وما بعدها لعرقلة أعمالنا التي نعملها لتهدئة البلاد، ولإظهار عدائه علناً، ومناوأته لكل عمل من جانبنا.

لم يكن هذا الرجل (السويحلي) قد نال أي قسط من الثقافة، ولكنه كان حاضر الذهن، سريع البديهة، على ذكاءه كان مشوباً بسوء النية .. غدر بنا رمضان الشتيوي هو والفرقة التي كنا قد قمنا بتسليحها في القرضابية، وذلك بأن انقض على الحملة، وصب نيرانه على جنودنا .. وبث في كل أعماله الحقد والقسوة المتناهيين ضد كل إنسان يتكلم عن أو يظهر العطف للإيطاليين .. وقد استمر في عصيانه إلى النهاية. (26)



* خليفة بن عسكر

.. اللص المخادع الغادر الذي حرك في سنة 1914م ثورة نالوت بهجومه على إحدى قوافلنا، وقتل حراسها، وقام بعد ذلك بالهجوم على حاميتنا في تكوت وأسر رجالها .. كان ذلك الرجل (بن عسكر) متقلباً شريراً قاسياً ضعيف الإيمان، ولكن لم تكن تنقصه مع ذلك الشجاعة الشخصية والبراعة الحربية. (27)

 
       
   
       
  1. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 57.
2. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 53.
3. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 158.
4. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 90.
5. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 82.
6. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 131.
7. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 314.
8. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 165.
9. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 264.
10. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب (الهامش) صـ 269.
11. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 255-270.
12. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 273-285.
13. اسمه عبد السلام التاورغي وكان يلقب بـ الونقو، توفي في الخمسينيات من القرن المنصرم في "زرايب العبيد" بمنطقة الصابري في بنغازي.
14. باقانيني، باولو - الساعات الأخيرة من حياة عمر المختار، ترجمة إبراهيم أحمد المهدوي، مجلة البحوث التاريخية ، العدد 2 ، يوليو 1988م.
15. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب (تعليق المترجم في الهامش) صـ 269.
16. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 289.
17. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 267.
18. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 93.
19. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 155.
20. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 3.
21. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 76.
22. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 89.
23. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 211.
24. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 198.
25. غراتسياني، رودولفو، نحو فزان، ترجمة طه فوزي، صـ 305، 315.
26. غراتسياني، رودولفو، نحو فزان، ترجمة طه فوزي، صـ 31، 34-35.
27. غراتسياني، رودولفو، نحو فزان، ترجمة طه فوزي، صـ 39.

اضغط هنا للاطلاع على الجزء السابع
 
    
 
Jeel Media - All rights reserved © 2007 - 2001 جيل للإعلام - جميع الحقوق محفوظة