2008/11/20  
    
 رودلفو غراتسياني 7/10  
     
 سيرة وسلوك .. حياته ونهايته
Rodolfo Graziani: La biografia e condotta
 
 د. فرج نجم  
   
     
  * غراتسياني ومشاكله مع الطليان

كان حال غراتسياني في قومه بين مادح وقادح، فكان شديد الكرم مع مادحيه، الذين وصفوه في حربه لليبيين بالرجل القوي والعادل،(1) ويحقد على كل من يعارضه، وبالتالي صنع لنفسه كثيراً من الحساسيات بينه وبين أقرانه من جنرالات إيطاليا، حتى أن بعض الطليان تجاوز المعقول للتشكيك في شرفه وعرضه، فاضطر غراتسياني ذات مرة أن ينفي الرذيلة عن نفسه، مفادها أنه قد أُخصي من قبل العرب الليبيين، كما ورد في كتاب بيرو بيسينتي Piero Pisenti. (2)

ومن الضباط الكبار الذين كرهوا غراتسياني كان جوزيبي دايوديتشي Giuseppe Daodiace الذي كان متصرفاً لمنطقة الجبل (درنة وشحات والمرج)، وكان الإيطالي الوحيد في ليبيا الذي أثنى عليه الشهيد الرحالة الدنمركي المسلم اكنود هولمب، وقد عُرف عن دايوديتشي تعاطفه مع أهلنا ولم ينسوا له ذلك، ما استمطر عليه حنق وكره غراتسياني، فطلب غراتسياني إبعاد دايوديتشي الذي احتج على توحش غراتسياني وولوغه في الدم، واستنكار كثير من سلوكياته التي لا تمت لشرف العسكرية كإعدام النساء،(3) فنجح غراتسياني في طرد دايوديتشي من ليبيا عام 1932م.



وقد عاينت بعضاً من تركة دايوديتشي من وثائق وصور، وأوصلت أهمية ذلك لإدارة مركز الجهاد بطرابلس، ورأيت بعيني تعليقه على كتاب غراتسياني مستهجناً، فقد كتب على صدر الكتاب بخط قلمه تحت اسم غراتسياني "السارق القاتل"، وعند مقابلتي لابنة دايوديتشي، فيكتوريا، في لندن التي أطلعتني على وثائق ورسائل والدها قالت لي: كان والدي يكره غراتسياني لأنه قاتل وسارق مجوهرات آل كعبار، بعدما اعدم الهادي كعبار، وأكد ديل بوكا كما نقل في كتابه "الإيطاليون في ليبيا"، بأن غراتسياني يكره دايوديتشي لأنه يعتبره شديد اللين مع الليبيين.(4)
أما ضحية غراتسياني - الهادي كعبار - فقد عُرف عنه منذ الحكم العثماني بزعامته وثقافته وتعليمه، حيث درس في المدارس التركية، وكان يجيد اللغة التركية كالعربية، وتقلد عدة وظائف حكومية في العهد العثماني هو وآباؤه، وكان من أعيان غريان وسادتها، وفي مقدمة النابهين والمثقفين فيها، على حد وصف الشيخ المؤرخ الطاهر الزاوي.(5) ولكن غراتسياني لم ينس للهادي مواقفه الوطنية، فلم يلبث أن قبض عليه في غريان، وتحفظه عليه برهة من الزمن، ومن ثم نقله إلى الخمس، ثم إلى مصراتة التي حُوكم فيها سنة 1923م، وحكم عليه بالإعدام، وقتل شنقاً، وعلق غراتسياني قائلاً: ".. واجه المشنقة بشجاعة .."، وبعد ذلك بساعات شنق ابنه، محمد، في نفس المكان، وبعدها بأيام شنق خال الهادي كعبار، عبد الله بلخير، في ميدان المتصرفية في تغسات بغريان، ولم يكتف بذلك بل اعتقل قُصر آل كعبار من نساء وأطفال، ونقلوهم إلى طرابلس.

وقد تمادى غراتسياني في غيه فأمر بهدم بيت آل كعبار في تغرنة، الذي كان يتردد عليه زعماء المنطقة، ولما كان يمثله من مضافة للمجاهدين، ومخزناً للمؤن والأسلحة، وقد سبق وأن اعتقل فيه المجاهدون بقيادة الهادي كعبار أسرى الطليان السبعين الذين قبض عليهم في حامية القواسم، ولم يكتف غراتسياني بذلك بل طارد أخوي الشهيد كعبار، مختار وأحمد راسم، في مجاهل فزان. وكتبت صحيفة كورييرى دى تريبولى: "إن شخصية الهادي كعـبار كانت دائماً في الصف بين أولئك الذين عمدوا في جميع الحالات وفى كل الظروف إلى إهانة إيطاليا والغدر بها"،(6) ولعل أبلغ وصف ابرز معالم شخصية الشهيد الهادي بك كان لغراتسياني نفسه الذي قال عنه: لا ينقصه الذكاء والكفاية، وكان يعمل دائماً ٌلإلحاق الضرر بنا وضد مصالحنا" ... "ولذلك كان شنقه حجر زاوية في طريق إعادة الاستيلاء على البلاد بنظرات واضحة، وحساب دقيق للعواقب".(7)



أما تنافس ايتالو بالبو – محبوب الشعب الإيطالي – وغراتسياني – عدو الشعب الليبي – فكان ماثلاً للعيان، حيث اشترك الرجلان في حلم تأسيس إمبراطورية لأحدهما في غياب الآخر داخل إمبراطورية الدوتشي (موسوليني) الكبرى، ولكن حسابات الدوتشي كانت فوقهما، فأراد موسوليني أن يتخلص من بالبو بإبعاده إلى ليبيا، والتقليل من الأثر الوحشي الذي تركه غراتسياني، بعد "التهدئة" بالنار والحديد، بإخراجه من ليبيا.



فمجرد ما استلم بالبو وظيفة الحاكم العام لليبيا، الوظيفة التي طالما حلم بها غراتسياني ورجاها "جزاءً وفاقاً" لما قام به من تهدئة لليبيا،(8) أعلن بالبو من البدايات كرهه لغراتسياني وامتعاضه من سوء عمله في ليبيا عموماً، وبرقة خصوصاً، فعمد إلى جمع الوثائق والمستمسكات التي تدل على بشاعة أفاعيل غراتسياني،(9) الذي كان غير مرغوب فيه من الليبيين ورأى في وجوده تذكيراً لليبيين بالمجازر التي ارتكبت والتي أراد أن ينسوها، وأن يفتح صفحة جديدة معهم بدونه.



شرع بالبو في حملة تشهير وتشويه، ومحو كل إنجازات غراتسياني، كإزالة اللوحات الرخامية التي تمجد "بطولات" غراتسياني في التصدي للمقاومين والتنكيل بالعزل، وأمعن بالبو في تهميشه ما سهل مغادرة غراتسياني ليبيا ذليلاً بعدما أراد الذل لأهلها،(10) فلملم غراتسياني جراحه ومشاعره المهانة، ونقل شعراً نسبه فيما يبدو زوراً لبدوي يثني عليه، لعله من باب سلوان النفس ومواساتها،(11) وغادر ليبيا ليكون على موعد بصفعة أخرى ولكنها ستكون قاصمة في الحرب العالمية الثانية من برقة التي أراد لها التهدئة.

* الكذب والافتراء

تاريخ الإيطاليين في ليبيا به قدر كبير من الأكاذيب والافتراءات على الأجداد، وفي تصانيفهم للتاريخ آنذاك، فزعم بعضهم بأن عثمان العنيزي كانت له باندة أسموها بباندة العواقير، وهذا لم نسمع أحد قد ردده في برقة، حتى الباندات التي مرت ببلاد كانت تعرف بزعمائها وليست بقبائلها، وهذه دلالة على أنها حالات فردية كباندة عاكف والقريتلي والكردي والزاوي وغيرها لأنها خليط، ولكن أسوأ من ذلك كذبهم على الشيخ عمر المختار نفسه، فلقد كتب غراتسياني نفسه ينسب الاستسلام للشيخ عمر المختار لإيطاليا وسلطانها استسلاماً تاماً على حسب ما ذكره في إعلان مزعوم للشيخ الشهيد في قوله لهم: لا تنادوني بالعاصي (ويقصد عمر المختار)، فإنه لم يسبق لي قط قبل اليوم أن استسلمت للحكومة، بل إنني قاتلتها دائماً لأن ديني يأمرني بذلك، واليوم أستسلم مع كل من معي، ومنذ اليوم يجب أن يرين على برقة السلام المطلق الكامل، وعلى جميعهم أن يطيعوا حكومة إيطاليا الشرعية، تجولوا كما شئتم وحلوا الدوريات وألغوا الحصون لأنها أشياء لم تعد إليها حاجة في برقة، إذ لم تعد هناك في برقة حرب،(12) كما نسب إلى الشيخ عمر المختار.



* بداية النهاية لغراتسياني

جاءت نهاية غراتسياني ذليلة حقيرة، والسخرية الأكثر لذعاً وربما إذلالاً من سخرية الزمن هي سخرية عمر المختار، التي أوردها غراتسياني في مذكراته عندما كتب هو نفسه نقلاً عن عمر المختار: إذا سمعتم زئير أسد (غراتسياني) من بنغازي إلى قلب الجبل الأخضر لا تخافوا، سوف تحقق لكم الأيام مرة أخرى أنه تحت جلد الأسد حمار.(13)

كتب الأستاذ خليفة التليسي في كتابه "بعد القرضابية" أن غراتسياني قد حصد أعمال غيره، أي أنه وصل ليبيا بعد حوالي اثنتي عشرة سنة من قتال المجاهدين الليبيين الذين ضعفت مقاومتهم بسبب كثرة ما قتل منهم في معارك الجهاد الأولى، وكذلك لنقص السلاح والمؤن لديهم، فلو أن غراتسياني حضر معارك الجهاد الأولى، لكان مصيره كمصير القادة الطليان المهزومين المدحورين أمثال الجنرال مياني الذي هُزم شر هزيمة في القرضابية، وغيره.(14)



ولكن هاهو غراتسياني الذي حارب الليبيين بشراسة في ساحل طرابلس والجبل الغربي ومناطق القبلة وفزان وبرقة، التي قضت مضاجعه برجال كعمر المختار، يجعل في النهاية الليبيين جزء من قواته الضاربة في عملية إعادة احتلال الحبشة، غراتسياني القائل بأنه وحده من يستطيع أن يقود هؤلاء المقاتلين الأشداء والعنيدين، ويجعلهم يتبعون أوامره، ولكن كشفت الحرب العالمية الثانية ما لم يكن في حساباته العسكرية، وتناسى أن لليبيا وأهلها إلهاً عادلاً يحميهم، وشعباً تربى على المقاومة، بعدما علق الشيخ الرمز عالياً شهيداً شامخاً فوق الرؤوس، وظن بفعلته هذه أنه قد أخمد جهاد الليبيين ضد حكمهم الجائر.
 
       
   
       
  1. Pisenti et. al. Piero, Graziani, p 50.
2. Pisenti et. al. Piero, Graziani, p 48.
3. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 237.
4. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 303.
5. الزاوي، الطاهر أحمد، أعلام ليبيا صـ 414.
الزاوي، الطاهر أحمد، جهاد الأبطال في طرابلس الغرب صـ 174-177.
6. التليسي، خليفة، بعد القرضابية صـ 135-137.
7. غراتسياني، رودولفو، نحو فزان، ترجمة فوزي طه، صـ 157- 158.
أيضاً راجع: كعبار، مختار - بعض الحقائق التاريخية عن المجاهد الهادي كعبار. http://www.libyanwritersclub.com/arab/?p=2182
8. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 389.
9. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 306.
10. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 286.
11. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 287.
12. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 201.
غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 57.
13. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 159.
14. نشرت هذه المراجعة للأستاذ تيسير بن موسى في جريدة العرب (لندن) بتاريخ 24/3/2000م.

اضغط هنا للاطلاع على الجزء الثامن
 
    
 
Jeel Media - All rights reserved © 2007 - 2001 جيل للإعلام - جميع الحقوق محفوظة