2008/11/30  
    
 رودلفو غراتسياني - 10/10  
     
 سيرة وسلوك .. حياته ونهايته
Rodolfo Graziani: La biografia e condotta
 
 د. فرج نجم  
   
     
  * مبالغات غراتسياني وبلاغته

مما لا شك فيه أن غراتسياني كان رجلاً مثقفاً صاحب قلم سيال، وخطيب مفوه، فعُرف ببلاغته، وأسلوبه العسكري في التخاطب، حتى أن بادوليو يصف كتابه "نحو فزان" بأنه "جاء سرده واضحاً سهلاً جذاباً لدرجة أنه من الصعب أن يجد فيه القارئ ما يجعله يتوقف عن الاستمرار في قراءة هذه الصفحات". (1)



فهو القائد الميداني الذي سحرته أفريقيا وصحرائها، فدرس العربية والتيقرينية (Tigrinya لغة بعض أهل الحبشة واريتريا)، (2) وإن لم يتقنهما، كما سلط بعض الضوء على بعض تاريخ ليبيا وتضاريسها، وحاول أن يشرح تفاصيل التركيبة القبلية الليبية في كتابه نحو فزان، ويبدو أنه استعان أو استعار بعض الأعمال التي أشرف عليها العقيد انريكو دي اغسطيني Enrico De Agostiniفي كتابيه الشهيرين "سكان طرابلس، وسكان برقة"، وغراتسياني هو الوحيد الذي ترك لنا كتباً ذكر فيها - ولو بشيء من الخبث - بعض ما جرى إبان حملات الترويع والتقتيل التي قادها في ليبيا، معللاً ذلك بفخر بأنه كان دفاعاً عن الوطن، فقد كان كثير التدوين والإطلاع والقراءة لما يدور حوله، وهذا ما زاد في غروره، وعند استعراض مؤلفاته لا يخفى استئثار ليبيا بالكم الأكبر من تدوينه ومذكراته، ومرجع ذلك في نظري هي المقاومة التي قوبل بها في ليبيا، وأثر رجالها على مسيرته العسكرية في ربوعها.

كما كان متابعاً للإعلام لدرجة أنه أبدى حساسيته من الصحافة العربية والإسلامية التي بدأت تشن - فيما رآه - حملة مضادة ومشوهة له ولإيطاليا في ليبيا، ودوّن امتعاضه من هذه "البروبوقاندا"، حتى أنه كلف الجنرال ايجيدي الذي كان متصرفاً على المناطق التي تقطنها قبيلة العواقير حول مدينة بنغازي، وكان يجيد عدة لغات، فكلفه غراتسياني بمتابعة ما تنشره الصحف عنه.)3( ولم يقف عند هذا الحد بل بدأ يتصدى للأقلام الإيطالية التي بدأت تنال منه بعد فشله في تهدئة الأوضاع، خاصة في برقة قبيل القبض على الشيخ الرمز عمر المختار، فصب جام غضبه على أصحاب تلك الانتقادات اللاذعة التي وجهت له من بني جلدته، ووصفهم بذوي الأفكار المغرضة والمريضة الذين لا هم لهم إلا الشتم والانتقاد الهدام، ويذهب في وصفهم "بمعاول هدامة تعمل على هدم إنجازات الحزب الفاشستي، وإرجاع برقة إلى الوراء، وأبعادها عن الحضارة اللاتينية". (4)



* محاكمة غراتسياني

لم تقم لغراتسياني قيامة بعد هزيمته في ليبيا على يد البريطانيين وفي مقدمتهم قوة الصحراء الغربية البريطانية في بدايات عام 1941م، حيث لم يتأسس الجيش الثامن بعد، (5) ومع هذا توالت النكبات، ومع تقدم الوقت أيقن بان الاستسلام أصبح واقعاً للتعامل معه، فلم يتصرف كالقائد الغيور على قضيته كما فعل الشيخ عمر المختار الذي قاتل إلى أخر رمق، بل سلم غراتسياني نفسه خانعاً مقهوراً إلى القوات الأمريكية في نهاية أبريل عام 1945م، ليمكث ما يقرب الشهر في ذل الأسر في معتقل Cinecittà بروما، لينقل بعدها جواً إلى معتقل في مدينة الجزائر كأسير حرب عند الأمريكان، وحتى لا تصله فرق البارتيجان الشيوعية التي كانت تريد تصفية الفاشية جسدياً بعدما فعلت معنويا. (6)

بقى غراتسياني حبيساً في الجزائر حتى فبراير 1946م، العام التي ألغيت فيه مملكة إيطاليا وأحلامها الرومانية التي استمرت من عام 1861م إلى 1946م، فرجعوا بغراتسياني إلى إيطاليا، وبينما كان في المعتقل كتب كتاباً شرح فيها معللاً خيبته، وما جرى له في حروب إيطاليا بعنوان: دفاعاً على أرض الوطن Ho Difeso La Patria. (7)



سلم الحلفاء غراتسياني إلى الطليان في 1950م، وأودع سجن San Vittore في ميلانو، وكان يفترض أن يقدموه للمحاكمة، كما فعلوا (أي الحلفاء) مع النازيين الألمان الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، على جرائم المعتقلات التي نصبوها ليهود أوروبا، على الرغم من أن الطليان بقيادة غراتسياني، كادوا أن يفنوا أهل برقة وهون في المعتقلات التي نصبوها لهم في الصحراء قبل أن تخطر على بال النازيين.

التقطته السلطات الإيطالية الجديدة المناهضة للفاشية، وفي المحكمة شهد ضده الجنرال دادويتشي، الذي بُرئ من نفس المحاكم، ويذكر الدكتور محمود التائب مترجم كتاب ديل بوكا أن غراتسياني استخدمت ضده تهمة حبسه للنقيب لونتانو الذي كان محامياً لعمر المختار لمدة 10 أيام لدفاعه المستميت عن موكله، (8) (عوضاً عن محاكمته وإعدامه الجائر لعمر المختار الذي لم يراعِ فيه حتى شيخوخته)، وقد أدين غراتسياني لتعاونه مع النازيين والجرائم التي ارتكبوها في الطليان، وكذلك لكونه وزيراً للدفاع في جمهورية الشمال الفاشية، وهذا المنصب كان قد أرغم عليه خائفاً من انتقام النازيين الألمان، (9) ولم يحاكم على جرائم الحرب التي ارتكبها في المستعمرات، ومن ثم تم تجريده من جميع رتبه العسكرية والنياشين، (10) بما فيها رتبة ماريشال ايطاليا، وحكمت المحكمة في 2 مايو 1950م بالسجن على غراتسياني، وكادوا أن يحكموا عليه بالإعدام لولا تدخل رجال، الدين ومنهم فاكينيتي أسقف طرابلس، (11) وحكموا عليه 19 سنة، ولكنه قضى منها اشهر، بعدما خُفف الحكم، ليقضي ما يقرب من أربع سنوات ونصف، وهي بالفعل ما قضى حبيساً، على حسب ما فصل، كاتب سيرته، بيرو بيسينتي Piero Pisenti. (12)

أطلق سراح غراتسياني في أغسطس عام 1950م، وركن إلى منطقة Affile، شرق روما، وتولى من جديد رئاسة فخرية لنادي سياسي جديد لكي يمنع انفصال بعض جماعات الشمال التي أبدت امتعاضها من الجنوب الإيطالي الفقير، وهكذا كانت نهاية غراتسياني، فقد انسحب نهائياً من الحياة السياسية، وقد أخبرني الصديق الدكتور إبراهيم المهدوي بأن غراتسياني قد أجريت له عملية الزائدة الدودية، وإزالة ماء العين، ومن ثم انتابته حالة اكتئاب شديدة لما آل إليه حاله، وسوء خاتمته، ومن بعدها أصيب بنوبة قلبية أدت إلى وفاته في 11 يناير عام 1955م في روما، وقد شيع جثمانه عدد لا بأس به، جلهم من أنصاره، وأيتام الفاشية، لتطوى صفحة بشعة من تاريخ ايطاليا الاستعمارية، ولكن تأثيراتها النفسية والمادية مازالت مدوية فينا جيلاً بعد جيل، وهذا ما لم يفهمه الطليان.










أما آراء أهل الاختصاص في غراتسياني كادت أن تجمع على وحشية ودموية الرجل، ومن تلك الآراء المثيرة ما ذكره لي المؤرخ الإنجليزي - جون رايت - عندما سألته عن الطليان ودور غراتسياني تحديداً فقال: كانوا حمقى لا يفقهون شيئا، وإن غراتسياني - ما معناه - جاهل حيث كتب تاريخاً يتحدث عن معارك من وجهة نظر "لوجستية" لا غير، أي الإمدادات، ليمجد فيها نفسه وانتصاراته المزعومة ضد حفنة من البدو هنا وهناك في ليبيا، وقد وهم بأنه زعيماً عسكرياً فذاً، ولكن سرعان ما تحطمت هيبته وأسطورته أمام جيوشاً أوربية منظمة ومسلحة تسليحاً عصرياً، خاصة أمام البريطانيين وحلفائهم في الحرب العالمية الثانية، ما جعلوا منه الأضحكوة التي كانت هو. (13)

في لقاء آخر جمعني بالمخرج السوري الأستاذ نجدة إسماعيل أنزور بلندن، (14) الذي كان حينها عاكفاً على إخراج فيلم (سنوات الظلم Years of Torment)، تجاذبنا أطراف الحديث عن الحيثيات التاريخية وقسوة المعاناة التي مر بها الآباء والأجداد على يد غراتسياني بالذات، وذكرته من باب التنويه ببعض التحريف والتشويه الذي انتاب فيلم عمر المختار، على الرغم من نجاحه الباهر، حيث اطلعت على نص سيناريو "سنوات الظلم"، ورأيت فيه إشكاليات مصداقية، ومبالغات خاصة فيما يتعلق باليهود، وكنت قد بيضت المسودة الأولى لهذه الدراسة (غراتسياني سيرة وسلوك)، فأعطيتها له للإطلاع عليها، الأمر الذي سُعد ورحب به كثيراً، وسألني إن كنت قد كتبتها بالإنجليزية فقلت: لا، فاخبرني بأنه سيقوم بترجمتها ليقدمها للفريق العامل معه على السيناريو، وعندما رأى اسم ديل بوكا علق قائلاً: بأنه قابل ديل بوكا في بيته بمدينة تورين في بدايات هذه السنة (2008م)، والذي عمل مستشاراً تاريخياً لطاقم الفيلم، وسأله عن الفرق بين عمر المختار وغراتسياني، فقال ديل بوكا، وهذا هو بيت القصيد:

إن الأول (المختار) عملاق، والثاني (غراتسياني) جرذ .. وبهذا يكون قد شهد شاهد من أهلها في سيرة وسلوك غراتسياني.


*ختاما ..

هذه يا سادة يا كرام سيرة رجل أساء إلينا، وإلى إنسانيتنا، حاولت فيها جاهداً ومجتهداً تقصي الحقائق كما بدت لي، ممتناً لكم على التفاعل إيجاباً وسلباً. (15) أملي أن أكون قد عبدت بها جسراً لمن سيأتي من بعد، حتى يبني على هذا، سواء بالإضافة أو التصويب أو الاستدراك، أو كلهن، وللاهتداء إلى ذلك إليكم ثبتاً بكل ما يتعلق بكتب غراتسياني لكي تعم الفائدة بين البحاث، وأن يترجم منها ما لم ينقل إلى العربية بعد.





































 
       
   
       
  1. غراتسياني، رودولفو، نحو فزان، ترجمة طه فوزي، صـ 6.
2. Pisenti et. al. Piero, Graziani, p 78.
3. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب (الهامش) صـ 234.
4. غراتسياني، رودولفو، برقة الهادئة، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، صـ 226.
5.تنويه: جاء في متن الحلقة الثامنة ذكر تشكيل جيشاً من الليبيين (الجيش السنوسي) ينضم إلى الجيش الثامن البريطاني في أغسطس 1940م، والمقصود الجيش البريطاني، حيث لم يؤسس الجيش الثامن البريطاني حتى سبتمبر 1941م، الذي ولد من رحم القوات البريطانية في الصحراء الغربية، ونصب الايرلندي آلن كوننقهام قائداً عليه لمدة شهرين ونيف، ومن ثم أُستبعد من القيادة لسوء تقديره للوضع الحرج، وتوالى بعده خمسة قادة اشهرهم بيرنارد مونتقمري وأخرهم ريتشارد ماك كرييري الذي بعون الأمريكان احتل ايطاليا، وبهذا تكون القوة الليبية (الجيش السنوسي) قد أسست قبل الجيش الثامن البريطاني، وستأتي تفاصيل ملحمة "الجيش السنوسي" في دراسة مستقلة بإذنه تعالى.
6. Pisenti et. al. Piero, Graziani, p 267.
7. ويبدو من جملة ما ترك من كتب وأوراق التي لم تترجم بعد للعربية: السلم الروماني في ليبيا Pace Romana in Libia، وشمال أفريقيا 40-1941م، واسترداد ليبيا.
8. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب (راجع الهامش) صـ 267.
9. Pisenti et. al. Piero, Graziani, p 266.
10. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 267.
11. ديل بوكا، انجيلو، الإيطاليون في ليبيا (الجزء الثاني)، ترجمة محمود علي التائب صـ 440.
12. Pisenti et. al. Piero, Graziani, p 277.
13. كان هذا على هامش لقاء دوري حيث يتمتع كلانا فيه بعضوية في مجلس الجمعية البريطانية للدراسات الليبية (الأكاديمية البريطانية) بلندن ظهر الثلاثاء 7 أكتوبر 2008م.
14. كان هذا اللقاء في لندن مساء الجمعة 27 يونيو 2008م.
15. أتقدم بجزيل الشكر لكل من زودني بمعلومة، وترجم لي النصوص الايطالية، ومن ساعدني في فهرست كتب غراتسياني وغيرها من المراجع الايطالية، كما لا يفوتني ذكر أخي (د/خ خ) على تشريفي بمتابعة ومراجعة ما اكتب، مع دعائي له بالنجاح على ما هو مقبل عليه.
 
    
 
Jeel Media - All rights reserved © 2007 - 2001 جيل للإعلام - جميع الحقوق محفوظة