| |
|
|
| |
2009/04/09 |
 |
|
 |
 |
 |
| |
 |
|
 |
بوسليم في ذاكرة المفجوعات |
|
 |
فرج نجم |
|
| |
 |
|
| |
|
|
| |
 |
|
| |
|
|
| |
لهفي على من تنتظر الوليد والزوج والأخ والحبيب، وياللمفجوعة والمكلومة في الغالي الذي غيبه بوسليم. لقد عشت أياما عسيرة وأنا أتجول بين بنغازي، إجدابيا، والجبل، أستمع لقصص الخوادر المفجوعات، وهذه قصص حقيقية أنتجها سجن بوسليم ومذبحته الشنيعة.
فواحدة تسأل عن فلذة كبدها الذي مازال غائباً في بوسليم فجاءت لذاك الذي كتبت له النجاة ليكون شاهداً على أبشع جريمة عرفها تاريخنا السياسي منذ مذبحة الجوازي في شهر رمضان عام 1817م، وقالت: اخبرني كل شيء تعرفه عن ابني .. كيف كان معكم؟ كيف أكل، وشرب، وجلس، وقام، ونام؟ ولكن .. إياك .. إياك .. ثم إياك يا إبن الفرِحة بك أن تقل لي بإن أبني قد قتل .. إياك .. وإياك أن تقول أن إبني ذهب ولن يرجع!!
أما أخرى فقد أصيبت بهوس فأخذت ابنتها لتبحث لها عن أخيها الذي غيبه بوسليم، غيبه الله بجلاديه، فسافرت تلك المهمومة بصحبة ابنتها إلى طرابلس، ووصلا بوابة سجن بوسليم المشئومة، وطلبت من الحرس أن ترى إبنها، وليدها وفلذة كبدها، وهي تحترق دموعاً وألماً وحسرةً عليه. فأخبرها ذاك الجلف المبتلى بالوحشية أن تبتعد، وأن ترجع من حيث قدمت، فما كان من تلك المنكوبة بعدما ذهبت إلى الضفة المقابلة للبوابة إلا أن تتخيل إبنها وقد خرج لها من البوابة، فصرخت تناديه:
ها أنا .. تعال يا وليدي .. تعال يا باتي .. نا نريدك.
ولكن ذاك الخيال بدأ يبتعد عنها .. والابنة في ذهول لما حل بالأم .. فعلا صراخ تلك الأم وهي تخاطب خيال ابنها: لا .. لا .. تعال يا باتي .. مش ح نقدر نعيش بلاك يا كبدي .. ولكن يبدو أن الخيال ابتعد كثيراً واختفى عنها، فسقطت مغشياً عليها فأخذتها ابنتها مع بعض المارة إلى المستشفى، ولكن سرعان ما فارقت تلك المفجوعة الحياة كمداً وغماً على وليدها .. كبدها.
وها هي ثالثة أخبرت بأن الزوج الغائب سيرجع الليلة، فتزينت له، وطهت أحب أطباقه، وقالت لأولادها: لا تناموا لأن بابا سيرجع الليلة. ولكن خاب ظنها وحبط رجائها.
ولكن الرابعة كانت من المحظوظات، فقد أطلق سراح ابنها، وكانت في قمة الهمة والثبات، تنتظر إطلالته البهية لكي تحتضنه على ما فات من السنين الثمان العجاف، ولكن عندما رأته سقطت مغشياً عليها (1).
ولكن المفجوعة التي أبكتني دون غيرها تلك التي عندما رأت إبنها وقد صدعته سنون السجن أرادت أن تنهض وتجري إليه، ولكن خانتها رجليها، ولم يستطيعا حملها بعد هذا العمر، فحَبَت إليه على أربع وهي تصرخ بأعلى صوتها: يا نا علي يا باتي .. يا نا علي يا كبدي. وهي تنظر إلى جليساتها .. يا نا علي يا خياتي .. وليدي جاني .. تاج راسي روح من بوسليم سالم.
ولكن ماذا عن أولئك الذين لم يرجعوا؟
لا أدري .. أهنئ أم أعزي في شهدائنا؟!. |
|
| |
|
|
|
| |
 |
|
| |
|
|
|
| |
(1) تلك الأم المبتلية كانت والدة الشيخ الدكتور علي الصلابي عام 1988م، بعدما قضى ثمان سنوات في عنبر البراءة جلها في بوسليم. |
|
| |
 |
|
| |
| Jeel Media - All rights reserved
© 2007 - 2001 |
 |
جيل للإعلام - جميع الحقوق محفوظة |
|
|
| |