| |
|
|
| |
2009/09/03 |
 |
|
 |
 |
 |
| |
 |
|
 |
مدننا والبحر |
|
 |
تهاني دربي |
|
| |
 |
|
| |
|
|
| |
على مدى عشر سنين لا ابالغ اذا ما قلت فادحة ما احتاجته روحى من براح في مدينتين لا تطلان على البحر، فكان البديل بالنسبة لي حالة اخرى على جمالها ظل هناك شيء مفقود. "فيا فينتو" بمقاهيها المشهورة المفتوحة على الهواء الطلق في روما، ومقاهي "الباريستا" التي انتشرت بسرعة قياسية في دلهي. هما البديلان الذان كنت ألوذ بهما عندما تقبض الجدران على روحي وتخنقني.
الأولي عريقة وتمتد على أطول وأشهر شارع فى روما..الذي هو نبضها الحقيقي كان يكفينى أن أجلس علي أي طاولة ..حتي تتبدد وحشتي ..بهذا الشارع و بمقاهيه نقل المخرج الأيطالي الفذ "فيللينى" في فيلمه"دولشي فيتا""الحياة حلوة" نبض وروح وتفاصيل الحياة اليومية لمدينة بحيوية روما.
المقاهي الثانية حديثة جدا وكان انتشارها ظاهرة في الهند فخلال عامين أفتتحت سلسلة مقاهي "الباريستا" أكثرمن 170 فرعا لها في دلهي. هذه المقاهي أخذت شكل صالة معيشة للحي الذى وجدت فيه يلتقي فيها سكان الحي على مختلف أنواعهم، ينتاقشون في شؤونهم، يلعبون شطرنج، يستمعون للموسيقى، يتابعون الأخبار، يمكنهم قراءة أي كتاب من مكتبة المقهي الغنية بصحبة كوب الكابتشينو الفاخر أو غيره، وتقام فيها حفلات تقديم الكتب بالإضافة للأمسيات الأدبية التي يحرصون على دوريتها الأسبوعية في كل فرع على حدة.
هناك مقاهي عربية كانت ولازالت مكانا أثيرا وهاما للكتاب والسياسين، مثل مقهى الفيشاوي واليوناني في القاهرة، الروشة في بيروت .. إلخ. يزورونه بشكل يومي أو دوري، ومن يعرف ربما لو تخلى رئيس وزراء لبنان الأسبق المرحوم رفيق الحريرى عن عناده في تناول قهوته مع أصدقائه في مقهاه المفضل لما تم إغتياله.
في المقابل بمدينة كبنغازي بها مقاهى كثيرة يحتلها الرجال والقليل منها يمكن ان ترتاده النساء على خجل وكلها تقريبا مباني مغلقة في الوقت الذي نحتاج فيه نحن سكان المدن الى اماكن مفتوحة لسببين أولها ان أغلب سكان المدن يقيمون فى شقق فيها الأفق مسدود امام مدى نظر قاطنيها، والسبب الثاني هو حلاوة طقسنا واعتداله طوال العام لو اسثنينا حرارة شهري ثمانية وتسعة والتي يمكن تلافيها بالإكثار من اقامة المقاهي والمطاعم على شاطئ البحر الطويل عندنا.
الغريب ان مخططات مدننا حتى الان لم تضع في الاعتبار ما يمكن لهذا البحر ان يقدم لو تبنت ووضعت فى الاعتبار معادلة يرى بعضنا وانا منهم نتاجها ضروري لكل المدن المطلة على البحر. فنادق ومطاعم وحدائق واسواق مفتوحة تجاور هذا الذى رغم وعينا المتأخر بامكانياته الا أننا لازلنا لا نخطط لاستثماره بالهيئة التى نرغب ونحتاج على صعيد دولة وأفراد.
في المدن التي تجاور البحر تمثل المقاهي والمطاعم والفنادق علي شواطئها المكان الأكثر حيوية وجمالا ورقيا والأكبر ادرارا للربح، الا عندنا. وأنا هناك كانت مخيلتي تتمنى نقل كل المقاهي الجميلة من هناك الى هنا وكنت بصحبة هذه المخيلة أرى ما سيضيفه لها البحر والطقس ولكن ما تقترحه المخيلة دائما يذهب به الواقع بعيدا.
لا أعلم ما الفائدة التى عادت علينا نحن كمواطنين من قرارقديم يمنع شراء المواطن العادي للأراضي المتاخمة للبحر الا بعد مسافة مئة متر؟ وسمعت انه مؤخرا صدر قرار جديد يصل بموجبه المنع الى 500 متر، ما دامت الدولة على هذا المدى الطويل لم تستثمر هذا الشاطئ لاقامة مشاريع عامة تخدم المواطنين وتفيد خزينة الدولة؟.
أهل طرابلس لهم علاقة وطيدة قديمة مع البحر بعكس مدينة بنغازي التي حذت حذوها بعد ذلك. والمتجول على شواطئ المدينتين يلاحظ ذات العشوائية في كل ما يتاخم البحر. المباني التي تطل على البحر لها مواصفات ومقاييس مختلفة عن غيرها في كل العالم ونحن كأننا نجهل ذلك. ويكفي ان ترى العشش التي يستظل بها الخلق حتى تعرف في اي عصر نعيش. المطاعم التي لا تبيع الا منتجاته ايضا مبنية كيفما أتفق ولا أعرف ما دور الشعبيات التي تهتم بأمور مدننا في فرض هذه المواصفات الخاصة؟.
كورنيش بنغازي جاري العمل فيه منذ فترة ولا أدري بالاضافة للمواصفات الخاصة هل وضعت الشعبية أو الجهة التي تعمل به في الاعتبار اقامة مطاعم ومقاهي وساحات للأطفال أما لا؟ أخاف بعد كم سنة يأتى مسؤولون آخرون ويرون فيما يبنى الان ما يحتاج الى الهدم. عادة ليبية لا أظن ان احد فى هذا العالم يشاركنا هذه "الخصلة" الغريبة. استسهالنا حالة بجد تحتاج لدراسة نفسية جادة! ان تبني ليس بالأمر الهين وان تخطط لمدن يعني ذلك ان تخطط لحاجة هذه المدن على المدى البعيد يصل الى مئات السنين لا كما هو الحال بالنسبة لما يحدث الآن في طرابلس مثلا التي يهدد الهدم فيها منطقة الفنادق والتي عمرها لا يزيد عن ثلاثين عاما بأى حال من الأحوال! ناهيك عن بنغازي.
الرواتب في ليبيا لا تسمح بالسفر الى الخارج ولا حتى الداخل لتمضية اجازة. السواد الأعظم لا يبرح مدينته، ولكم ان تتصوروا اجازة اسرة ليبية في اي مدينة من مدننا كيف ستكون في ظل فنادق أسعارها باهظة في المطلق، سواء كانت خدماتها راقية أو متدنية. لذا يستسلم الجميع للجدران والتلفزيون والكومبيوتر وتمضي الاجازة هكذا. الترفيه في الاجازة ليس ترفا، هو حاجة لأننا لسنا الات فما لم ترتاح هذه الروح وتبتهج لا يمكن لها ان تتألق على اي صعيد سواء كان عاما او شخصيا.
ما يحزنني على هذا المدى الطويل أننا لا نلتفت لأمور بديهية. هل يعقل أن كل من تولوا الاهتمام بهذا البلد كانوا دون مستوى التخطيط العام السليم الذي نحتاج؟ والله يحز فى النفس أكثر ويجرحها في مقتل عندما تفرض عليك المقارنة فجيعتها وانت ترى مدننا وتقيسها بامكانيات وجمال مدن جاراتنا العزيزات، المتفوقات مدننا بمراحل.
يا ترى لماذا لا تكون مدننا مثل مدنهم؟ لماذا لا تكون مدننا افضل من مدنهم ونحن لدينا من الامكانيات الربانية ما يسمح لهذه المدن بان يكون كذلك؟ للاسف كل الاجابات تؤدي الى مزيد من الاحباط. هم من لا شيء يخلقون الجمال، ونحن الجمال امامنا ولا نعرف كيف نتعامل معه وكأننا نفتقد الاحساس به.
فإلى متى ونحن نتقبل على مضض سنين طويلة من عشوائية التخطيط نتائجه تجنى الان، هدم وهدر اموال؟ وما يزيد الخوف من الاتي ان من تولى الادارة والتخطيط لهذا البلد من امناء لجان شعبية هم ذات الوجوه تقريبا التي خططت للبلد منذ 40 عاما، والنتيجة أمامكم. في بعض المدن كأننا بدأنا فيها التنمية هذا العام.
كان بودي ان أكتب مقالا بالمناسبة أجمل ولكن ما كان يحتاج منا جميعا لقراءة صادقة تضع اصابعها على مواطن الداء، ربما يسهل علينا بعد ذلك علاج حقيقي لما نشعر به من الالام. |
|
| |
|
|
|
| |
 |
|
| |
|
|
|
| |
|
|
| |
 |
|
| |
| Jeel Media - All rights reserved
© 2007 - 2001 |
 |
جيل للإعلام - جميع الحقوق محفوظة |
|
|
| |
|